التراشق الإعلامي في سوريا

التراشق الإعلامي في سوريا

في غياب تغطية محايدة للأحداث يصبح من الصعب معرفة ما يجري في سوريا.
article image

مركز الدوحة لحرية الإعلام-دمشق: إنه وقت الظهيرة حيث يذيع التلفزيون الرسمي اعترافات شاب سوري يقول إنه عضو في جماعة إسلامية راديكالية و أنه شارك في تنظيم مظاهرات ضد النظام بهدف إثارة القلاقل. تحرص وسائل الإعلام السورية الرسمية والخاصة على تكرار بث هذه الرواية الرسمية للأحداث.

في غياب تغطية محايدة للأحداث يصبح من الصعب معرفة ما يجري في مدن اللاذقية و درعة وبانياس بشكل دقيق. وتعتمد وسائل الإعلام الأجنبية كالجزيرة و البي بي سي في تغطيتها على الفيديوهات التي يصورها المتظاهرون و الأهالي وعلى إجراء مقابلات مع المواطنين الموجودين في عين المكان.

و قد قامت الحكومة السورية بإغلاق مكاتب قناة الجزيرة التي تعرض مراسلوها للتهديد. و بينما يزداد عدد السوريين الذين يخرجون للتظاهر في الشوارع ضد نظام حزب البعث الحاكم، يرد هذا النظام بالاعتقالات و التعتيم الكامل على الأحداث. 

الرئيس السوري بشار الأسد يتهم الفضائيات العربية ووسائل الإعلام الغربية باختلاق الأحداث ونشر الأكاذيب. و في حين تتحدث أغلب القنوات الفضائية عن المظاهرات السلمية، فإن التلفزيون الرسمي السوري يحرص على وصف منظمي المظاهرات "بالمتسللين" و"المتطرفين".

أخبار مختلقة أم محايدة

بالنسبة لوسائل الإعلام السورية فإن "الأخبار الكاذبة" التي تبثها وسائل الإعلام الأجنبية هي الموضوع المفضل الوحيد ذي الصلة بالمظاهرات الذي يمكن تغطيته دون مواجهة الرقابة. ويقوم المذيعون الرسميون بالاتصال بالمستمعين لإبداء أرائهم حول "المآمرة الخارجية" ضد سوريا فيما تعمد وسائل الإعلام إلى بث أدلة على "زيف" الفيديوهات التي يلتقطها المواطنون بين كل فاصل غنائي وآخر.

على طول الطرقات توجد ملصقات كبيرة تحذر الناس من الفتنة و تدعوهم لاحترام القانون وعدم إساءة استخدام الحريات. كما تستخدم الحكومة في حملتها هذه شخصيات بارزة مثل الممثل السوري دريد لحام ورئيس مكتب الجزيرة السابق في لبنان غسان بن جدو الذي قدم استقالته مؤخرا احتجاجا على تغطية القناة للأحداث في سوريا و البحرين. 

عُرف عن بن جدو تأييده القوي للنظام السوري على خلفية دعمه للمقاومة ضد إسرائيل. وتظهر صورة بن جدو إلى جانب العلم السوري على إحدى الملصقات التي كتب عليها "الحقيقة ساطعة مثل الشمس ولا يمكن إخفائها." و في حين يوظف النظام السوري استقالة بن جدو من الجزيرة لأغراضه الخاصة، إلا استقالته تطرح العديد من علامات الاستفهام حول تغطية القنوات العربية للاحتجاجات في المنطقة.

قناتا الجزيرة و العربية لم تولي التطورات الجارية في مملكة البحرين نفس القدر من الاهتمام الذي توليه للأحداث الجارية في اليمن حاليا أو للأحداث في مصر خلال الثورة. بدورها لم تثر الأحداث في سوريا خلال الأسبوعين الأولين اهتمام وسائل الإعلام، و قد قدم غسان بن جدو  استقالته فقط بعد أن بدأت وسائل الإعلام في انتقاد النظام السوري.

العمل في الخفاء

على الرغم من هذا التراشق الإعلامي إلا أن بعض المدونين و الصحفيين داخل وخارج سوريا يحاولون الحفاظ على استقلالية وحياد عملهم. سعد كيوان من مركز الحرية الإعلامية و الثقافية في بيروت يرى أن الحفاظ على استقلالية العمل الصحفي أصبح أمرا في غاية الصعوبة حيث يقول "يُنظر إلى كل القضايا حاليا على أن لها علاقة بأمن الدولة. و يبدو هذا الأمر جليا عندما نحاول إجراء تحقيقات داخل سوريا، مما يعني أن موظفينا الذين يقومون بجمع المعلومات حول محاكمات الصحفيين أو نشطاء حقوق الإنسان ملزمون بالعمل سرا".

و يقدر سعد كيوان عدد الصحفيين والمدونين والكتاب الذين تم اعتقالهم إلى حد الآن بثلاثمائة. وتشمل القائمة مدونين شابين تم سجنهما منتصف شهر إبريل و أحد نشطاء حقوق الإنسان الذي تم اعتقاله بعد أن أجرى مقابلة مع قناة الجزيرة.

مازن درويش رئيس المركز السوري لحرية التعبير والإعلام في دمشق يواجه خطر الاعتقال في كل لحظة. كما يحظر على مازن مغادرة سوريا ويتم استجوابه بشكل دائم من طرف جهاز الاستخبارات السوري. يقوم المركز السوري لحرية التعبير والإعلام برصد تغطية الإعلام السوري وينشر تقارير حولها على الرغم من القمع الذي تمارسه الحكومة السورية.

حقل الألغام إعلامي

يرى درويش أن "أكبر مشكلة تواجه الصحافة في سوريا هي جمع الأخبار إذ لا يوجد في البلد قانون يضمن للصحافة حق الحصول على الأخبار كما أن السلطات تكن عداء مستشريا للصحافة. أما المشكلة الثانية فهي المحظورات التي تجعل العمل الصحفي أشبه بالسير على حقل ألغام". و تشمل المواضيع المحظورة على التغطية سياسات النظام و حقوق الإنسان والديمقراطية والفساد المتفشي في البلد.

يطالب مروان درويش بإلغاء القوانين التي تقيد حرية وسائل الإعلام و تعيق عملها قائلا "الحكومة وحدها مخولة بإصدار التراخيص للصحف و القنوات و محطات الراديو ولا توجد آجال زمنية محددة لإصدار هذه التراخيص. أعرف أشخاصا لازالوا ينتظرون الرد على طلبات ترخيص قدموها قبل أربع أو خمس سنوات و عندما ترفض الحكومة طلباتهم فإنها غير ملزمة بتبرير لذلك."

يذهب درويش إلى أن هذا النوع من الممارسات يعيق إنشاء وسائل إعلام مستقلة في البلد. وعلى الرغم من وجود وسائل إعلام خاصة إلا أن الفرق بين مادتها الإعلامية و ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية يبقى محدودا جدا. في النهاية تبقى الأخبار التي تنشر في وسائل الإعلام مرتبطة بالوضع السياسي و بمدى شعور النظام بالثقة.  

و كان خليل صويلح محرر صفحة الفنون والثقافة في الجريدة الرسمية السورية تشرين قد كتب مقالا حول العلاقة بين ربيع الثورات العربية و وسائل التواصل الاجتماعي. لم يتطرق المقال للوضع في سوريا غير أن وجهة نظر الكاتب كانت واضحة بين السطور: "أمارس الرقابة الذاتية و يوجد رقيب داخلي. على الرغم من تجربتي التي تمتد لسنوات طويلة فلا أعرف في أغلب الأحيان ما هي الحدود التي يجب على التوقف عندها. ويراودني في بعض الأوقات شعور بالملل من لعبة القط و الفار هذه عندما أتذكر أني صحفي و لست عبدا وسأكتب ما أشاء". 

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2013

Designed and developed by Media Plus Jordan