لا شك أن الحملة التي أطلقها هذا الشهر مدافعون عن حقوق المرأة المصرية تحت عنوان "القضاء على التحرش" ستؤدي إلى إسكات من كانوا يشككون في مقدرة شبكات التواصل الاجتماعي على تعبئة الجماهير عبر الإنترنت. فمن جديد يثبت الفيس بوك واتويتر أهميتهما في مكافحة الامراض الاجتماعية كما يظهران كيف ينجح الإعلام الجديد في إحداث التأثير الذي فشل فيه الإعلام التقليدي.
في العقد الماضي تتالت الحملات وذهبت أدراج الرياح وأدت حملات التعبئة تلك إلى الإحباط في صفوف المدافعين عن المرأة بسبب عدم وجود اهتمام كبير بهذه المشكلة التي تعتبر من أكبر المشاكل المزمنة في مصر. أما الآن وبفضل جهود الإعلام الجديد فقد أكتست الحملات المناهضة للتحرش الجنسي زخما جديدا, غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت هذا الإعلام قادر على إثبات وجوده كمدافع عن حقوق المرأة في البلد.
لقد نزلت النساء المصريات إلي الشارع في أكثر من مناسبة للتظاهر من أجل حقوقهن كانت آخرها تلك التي انطلقت في اليوم العالمي للمرأة هذه السنة لكنهن اصطدمن برجال غاضبين قاموا بمضايقة وشتم الكثير منهن. وبدلا من أن تتوجه الحملة الأخيرة التي تم إطلاقها على الفيسبوك وتويتر إلى الشارع فقد تركزت بالأحرى على رفع الوعي بهذه المشكلة على الإنترنت.
لجأت الآلاف من النساء ومن المدافعين عن حقوق المرأة في مصر إلى استخدام "تويتر" للتعبير عن مصادر قلقهن وليحكين قصص التحرش الجنسي التي تعرضن لها. وقد قاد موقع "خارطة التحرش" أو (HarassMap) على العنوان (www.harassmap.org هذا التحرك وسانده فيه عدد من الناشطين والمدونين في مصر والمنطقة ليتمكنوا من تنظيم هذه الحملة الإلكترونية التي تمثل جزء من الثورة النسائية المتنامية.
تقول السيدة "هبه" البالغة من العمر 24 سنة وهي خريجة من الجامعة وعاطلة عن العمل وكانت من ضمن المشاركات "إننا نهدف إلى أن نسمع صوتنا للعالم وإلى أن يدرك الناس أن المرأة تستحق أن تكون لها مكانة في المجتمع مهما كانت الظروف."
في حديث سابق مع "ريبيكا شياو" وهي إحدى مؤسسات موقع "خارطة التحرش" أكدت فيه أن الهدف من هذه الحملة هو إطلاع المرأة على الأماكن التي يكثر فيها التحرش في البلد لتتجنبها. هذه العملية برمتها تتم على الإنترنت من خلال خريطة تفاعلية تتيح للمستخدمين تحديد أماكن وجود التحرش ويبدو أنها فعالة. "
وتضيف السيدة هبة " لقد تأكدت من مطابقة الخريطة للواقع وأنا الآن وصديقتي نعمل على تجنب تلك الأماكن التي يكثر فيها التحرش."
أهمية مواقع التواصل الاجتماعي
في عام 2004 كان عالم التدوين في مصر قد بدأ في التطور والنمو ليصل إلى ماهو عليه الآن من قوة وازدهار. ومن بين الدوافع الأولى التي كانت وراء هذا التطور عدد من مقاطع فيديو تشتمل على مشاهد تحرش جنسي تم نشرها على عدد المدونات، وهو ما لفت الانتباه إلى استخدام هذا الإعلام الجديد كوسيلة لمعالجة المشاكل الاجتماعية . وبالرغم من ذلك لم تساهم تلك الفيديوهات وما تلاها من كتابات وحملات في الحد من التحرش الجنسي المتفاقم في البلد.
يعتبر موقع "خارطة التحرش" خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح, فمن خلال استخدام الخريطة التفاعلية أصبح بإمكان المستخدمين تحديد المناطق الآمنة وغير الآمنة في مصر. وعندما نضيف إلى هذا الموقع الجهود الأخرى المبذولة في مجال الإعلام الجديد مثل حملة " 20 يونيو" فإننا ندرك وقتها النجاح الذي يمكن أن يؤيدي إليه استخدام مثل هذه الأدوات الإعلامية.
غير أن الكثير من الكتابات حول التحرش الجنسي باللغة الانجليزية وليست باللغة العربية ذات التأثير الكبير في مصر وهذا في حد ذاته يحول دون إمكانية الوصول إلى قاعدة كبيرة من الناس. وبالرغم من ذلك فيجب بذل جهود مضاعفة للاستفادة من مستخدمي فيس بوك في مصر والذين يعدون بالملايين.
ومما لا شك فيه أن قصص التحرش الجنسي والنقاش المستمر حول هذه القضية يمكن أن يساعد في إحداث تغيير جذري كما رأينا سابقا في المظاهرات التي دامت 18 يوما وأدت إلى إسقاط حكومة الرئيس حسني مبارك.
يبدوأن الإعلام العربي التقليدي ليس مستعدا للمساعدة في هذا التوجه مما يستدعي أن يأخذ المدونون زمام المبادرة التي تعززت بمبادرة 20 يونيو والتي تعتبر بداية جيدة.
وفي حين يركز الكثير من وسائل الإعلام على النقاشات الجارية باللغة الانكليزية على الانترنت إلا أن نظرة خاطفة على موقع "خارطة التحرش" على اتويتر تظهر تزايد عدد المتحدثين باللغة العربية الراغبين في إسماع أصواتهم."
إن اللجوء إلى الشبكات الاجتماعية باللغة العربية لا غنى عنه بالنسبة لأي حملة تسعى لمناهضة التحرش الجنسي والمطالبة بحرية المرأة, وينبغي بالتالي على النشطاء أن يبحثوا عن حلفاء يتبنون نفس القضية ولهم حضور باللغة العربية على المواقع الإلكترونية الأمر الذي سيخلق لفييفا متنوعا من الكتاب يحكون قصصهم ويطورون أفكارهم ويفتحون حوارا طالما تفاداه الإعلام التقليدي.
لقد منح الإعلام الجديد للمصريين فرصة التعبير عن آرائهم وإيصال رسائلهم إلى الملايين حول القضايا الكثيرة التي يشهدها البلد. وفي الأخير وكما برهنت على ذلك هذه الحملة وما سيليها من حملات فإن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تقي مصر من العديد من المشاكل المستقبلية كي تنمو وتتقدم كأمة.
كتب أحدهم على اتويتر وهو يرمز لنفسه بـ @shortasianstin "اقرأ, استمع , اكتب, ساهم في إنهاء التحرش الجنسي في مصر. لقد انتهت حملة 20 يونيو ولكن الجهود لإنهاء التحرش الجنسي بدأت الآن." لقد حان الوقت لأن تقوم المرأة وكل المدافعين والمؤيدين للمطالب المتزايدة للمساواة باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي, فالآن بدأت الثورة ولكن هل يمكن أن نحافظ عليها؟




