الحفناوي غول.. صحافي جزائري خبر مهنة المتاعب ومضايقات السلطة

الحفناوي غول.. صحافي جزائري خبر مهنة المتاعب ومضايقات السلطة

الصحفي الجزائري الحفناوي غول يستذكر بداياته في مهنة الصحافة، وما تعرض له من مضايقات جعلته يوقن أنها مهنة المتاعب بامتياز.
article image
 
عندما أعود بشريط حياتي إلى الوراء أتصور أنني ما خلقت إلا لأكون صحفيا، فطيلة مساري المهني الممتد لأكثر من 28 سنة، لا أتخيل نفسي إلا صحفيا أو مراسلا أو كاتبا يجول بقلمه عبر الجرائد.
 
مشواري بدأ مع أول موضوع كتبته سنة 1986 في جريدة "المساء"، وهي يومية حكومية، حيث لم تكن غيرها آنذاك، قبل فتح المجال أمام الصحافة المستقلة والخاصة، وكان المقال عبارة عن دراسة نقدية لظاهرة ما.
 
عندما تم اختياري كمحتفي به وحصولي على الجائزة العالمية لمنظمة "محققون بلا حدود" سنة 2004 بفرنسا، أدركت حجم المسؤولية، ومعنى أن تكون صحفيا متميزا، خاصة في بيئة لا تحترم الصحفيين وتضغط عليهم في جزء من عالم ثالث لا يعرف حكامه سوى القمع ويعاملون الصحفيين معاملة خاصة لا تخرج من دائرة الإسكات والقمع والضغط والمتابعات عبر المحاكم، بالاضافة إلى التهديد والوعيد.
 
مشواري الصحفي بدأ  ككاتب ومراسل لعدد من الجرائد اليومية والأسبوعية ثم صحفي ومحقق ومسؤول قسم التحقيقات، ومتعاون ثم رئيس تحرير، ثم مؤسس لعدد من اليوميات والأسبوعيات ثم مديرا للأخبار والتحرير بقناة "الاطلس ALATLAS TV" الفضائية.
 
إذا كان يطلق على الصحافة مهنة المتاعب فإني لم أعرف من الصحافة طيلة مشواري سوى هاته الصفة الملازمة لي، فالمتاعب لا تكاد تنقطع منذ ولجت عالم الصحافة، فالمشاكل كثيرة والعراقيل كبيرة، ولا نكاد نخرج من مشكل إلا ونقع في آخر.
 
كان هناك ترصد لما نكتب، لأن فضائح الإدارة المحلية والمسؤولين تجاوزت الآفاق والفساد عشعش في الإدارة، وأصبح المسؤول مشروع مفسد.
 
البيروقراطية والسرقة ونهب المال العام كانت ملازمة للعمل اليومي، فكل مقال نتحدث فيه عن مايقع، ولهذا كانت الأخطار تحدق بي من كل جانب، بما فيها التهديد والاعتداءات المتكررة والتهديد الذي طال حتى أسرنا.
 
وضعية حرية
الصحافة وحرية التعبير في الجزائر لا تبشر بالخير، فرغم الحيز المتاح من الحرية عكس ماهو معمول به في دول الجوار، إلا أن هامش الحرية يبدأ يضيق كلما أحس المسؤول والإدارة بأنهم مستهدفون أو أن الصحفي والمراسل بدأوا ينبشون في الملفات أو المس بمصالحهم.
 
وكان لنا تحفظ في القانون الأخير المنظم لمهنة الصحافة، لأنه لم يكن في مستوى تطلعات وتضحيات الصحفيين الجزائريين، لنعلم بأن القانون وكل القوانين التي لها علاقة بمهنة المتاعب إنما وضعت على المقاس خاصة المادة 296 من قانون العقوبات، والتي تتكلم عن مفهوم القذف، بالاضافة إلى القوانين الأخيرة الخاصة بتنظيم المهنة أو تلك المكملة.
 
وأستطيع القول إن الصحافة في الوقت الحالي تعيش المرحلة الأسوأ في تاريخ صاحبة الجلالة، والتضييق إنما ازداد اتساعا في فترات الرئيس الحالي.
 
فمنذ 1999 والصحافة حالها يزداد سوءا، كما أن وضع الصحفيين لا يبشر بالخير، وهناك الكثير من العراقيل والمتابعات التي عرفها رجال الإعلام والتضييق وحجب مصادر الخبر، وجرجرة الصحفيين إلى المحاكم والسجون.
 
مضايقات بلا حدود
ربما أنا من الأشخاص الذين يعدون على الأصابع أو من الصحفيين المتميزين الذي سموا الأشياء بأسمائها وانتهجوا في نفس الوقت سياسة هجومية عبر مقالاتهم، ولهذا وجدت طريق محفوف بالمخاطر ويؤدي مباشرة إلى السجن.
 
الإدارة لم تعجبها مقالاتي والسلطة كانت تنتظر الوقت المناسب لأنني تجاوزت الخطوط الحمراء المرسومة لمنتسبي مهنة المتاعب، فصاحبة الجلالة لم تعد تروق للبعض ولهذا رفعوا عني 53 قضية قذف دفعة واحدة جراء ما كتبت وخاصة وأن الإدارة ومن ورائها السلطة تذرعت بالمقال الذي نشرته بيومية "الجزائر نيوز" في ماي 2004 بعنوان ( كم مواطن سيحرق نفسه ليسمع صوته ..؟) في صفحتين ودخلت السجن بدون محاكمة بعد أيام من الاحتفال باليوم العالمي لحرية التعبير، وبعد شهر من انتخاب الرئيس بوتفليقة لعهدة ثانية.
 
الصحفيون في الجزائر رغم اختلافاتهم إلا أنهم مهددون في حياتهم، ويدفعون ثمن كتاباتهم بما في ذلك المنتمين للقطاع العمومي أو مايعرف بالصحافة الحكومية، والتضييق والحصار مضروب على الجميع. 
 
خطوط مرسومة
هناك خطوط مرسومة لا يمكن تجاوزها رغم النقد الكبير للسلطة وللحكومة وللمسؤولين، فالجزائر تحولت إلى دولة مافيا، حيث استشرى الفساد السياسي والمالي، وتشكلت بارونات في كل القطاعات سيطرت على دواليب الحكم ووصل المال الفاسد والمفسدون إلى السلطة.
 
كان تلفزيون "الاطلس" القناة الأقرب للمواطن وتخصصت في نقل انشغالاته، كما كانت لسان حال المعارضة في الجزائر دون تمييز في لونها أو توجهها، ففتحنا المجال لكل صوت ووتحولت إلى منبر للنقاش والحوار والرأي والرأي الآخر، وأوجدنا الحيز الذي كان يريده المواطن وينشده السياسي ويتلائم مع المشاهد. 
 
الصحافة الجزائر وأغلبية الصحفيين في معركة حقيقية، خاصة وأن السلطة أفسدت الساحة في محاولة لتمييعها، واختلقت قنوات وصحفيين عملاء، وإعلاميين تحولوا إلى أبواق وهتكوا عرض صاحبة الجلالة، وهاهم يعانون الأمرين، مرارة اختيار المهنة والانتساب لها، ومرارة المتابعات اليومية وعمليات الإقصاء والضغوطات النفسية، مع التضييق الدائم وإغلاق مصادر المعلومات وترهيب الصحفيين والمراسلين المحليين وافتعال قضايا القذف والمتابعات القضائية اليومية أمام المحاكم.
رغم الصورة السوداوية التي يمكن أن ننقلها عن واقع الإعلام بالجزائر إلا أن هناك تميز، حيث تختلف ظروف العمل بالجزائر مقارنة بباقي الدول العربية أو دول العالم الثالث.
 
وضعية الصحفي في الجزائر
الصحفي في الجزائر فرض وجوده من خلال ما يكتب أو ينشر عبر الصحف، فكما أن هناك مجالا للحرية المطلقة التي تتعدى إلى القذف أو ربما السب ونشر الفضائح وفضح المسؤولين وإحراج المسؤولين هناك ضغوطات ومتابعات وملاحقات وسجن وغرامة للصحفيين، تعدته لتوقيف عدد من الجرائد، خاصة عن طريق الضغط بورقة الإعلان، فهناك جرائد تتحصل على صفحات في حين هناك جرائد لا تستفيد من هاته الميزة لموقفها أو لخطها الافتتاحي.
 
لكن مقارنة مع الدول العربية التي تنظم فيها عمل المهنة إعلاميا واجتماعيا والاهتمام بالصحة واتضاح علاقات العمل بين الصحفي والناشر والجريدة والمراسل، إلا أن هذه الميزة لا توجد في الجزائر، فكما أن هناك حريات متاحة تتجاوز في أحيان كثير الخط الأحمر وحتى أخلاقيات المهنة الصحفية هناك فوضى في المهنة لا حد لها.
 

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2017

Designed and developed by Media Plus Jordan