بشرى قشمر: الجرف نجح في استبدال السلاح في يد بعض الشبان بالكاميرا

بشرى قشمر: الجرف نجح في استبدال السلاح في يد بعض الشبان بالكاميرا

ناجي الجرف: "إن كان لي أن أفخر بشيءٍ فعلته فهو أنني استطعت استبدال السلاح في يد بعض الشبان بالكاميرا.. وسيلةً تليق بالحياة".
article image
بشرى قشمر وزوجها ناجي الجرف

 

"لقد عرفوا بأن جود بيطار، وبشر الفيصل، هي الأسماء الوهمية التي تعمل خلفها يا ناجي، والآن أنت مطلوبٌ لعدة جهاتٍ أمنيةٍ في سورية، اهرب بحياتك".
 
بعد هذه المعلومة كان الخيار الوحيد هو الخروج من سورية، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة الانفصال عن الأسماء الوهمية والخروج من هذا الفصام إلى فصامٍ جديد، عنوانه "خدعة الأمكنة".
 
بداية العام 2013، وعلى أرضٍ ليست بعيدةً عن سوريتنا، وليس هنالك ما يمنع أيّ صحفيٍّ من الذهاب أبعد ما يريد في القول والتعبير، والتجريب، تمّ ارتكاب الخطأ الأول.
 
 
في مدينة غازي عينتاب التركية، كان علينا أن نسأل أنفسنا أسئلة البدء قبل المضيّ في تجربة الصحافة وتشعّبات ما سُمّي حينها "الإعلام البديل، الإعلام الحر، إعلام الثورة، إعلام المعارضة.."، إذ كان علينا أن نتساءل حول هذه المساحات المفتوحة للسوريين الهاربين من الموت أو الاعتقال، الوافدين إلى تركيا، لكننا قمنا بتجاهل السؤال، فالسنوات الطويلة للحرمان من القول والتعبير، الخوف الذي رافق إصدار الأعداد الثلاثة الأولى داخل سورية، جلسات السكايب الحذرة لتدريب الناشطين على حمل الكاميرا وصياغة التقارير التلفزيونية، المحاولات المبكرة للانخراط في تجربة صحافة المواطن قبل أن تتكوّن تسمية هذه التجربة أساساً، المدن المفتوحة لاستقبال السوريين بحيادٍ يكاد يُقال عنه أنّه تجاهلٌ مقصودٌ لكلِّ الفعاليات والمنظمات والوسائل الإعلامية والتجمعات السورية.
 
كلّ ذلك كان كافياً لأن تُلغى الحدود بالنسبة إلينا بحيث شعر كلُّ من عمل في هذا المجال بدايةً بأنه قريبٌ ويستطيع أن يمارس مهنته، وآمنٌ في ذات الوقت فيد النظام لن تطاله هنا، ولم ننتبه إلى أننا كنا نساهم في لعبة (داخل- خارج)، فصام الأمكنة، فروق الجغرافية التي تسترها شبكة الإنترنت، وحقيقة تواجدنا كعاملين في المجال الإعلامي على أرضٍ ليست واقعيةً بما يكفي لتحملنا، إلى هذه الدرجة.
 
واقعٌ أكثف من الأحلام
عشرات التجارب بدأت تنضج مع منتصف العام 2013، صحفٌ أسبوعية، نصف شهرية، شهرية، تحاول أن تضع على غلافها جملة "لسنا تابعين لأحد"، "صحيفة مستقلة"، منكّهةً بتنويعات القائمين على إنتاجها، لكن طباعتها وتوزيعها داخل سورية يخضع لمزاج التمويل المتقلّب، ولم تسلم من ذات المزاج الإذاعاتُ الناشئة وغيرها من الوسائل أو المجموعات الإعلامية.
 
 
راقب الجميع بأسفٍ معظم هذه التجارب وهي تذوي طاويةً معها فرادتها وخصوصية نشأتها، وكان لبعض التجارب الأخرى أن تنضوي تحت جناح تيارٍ أو مجموعةٍ ما كي تستمر، وما تبقى كان يبحث عن طرقٍ تجعل صنبور التمويل مفتوحاً قدر الإمكان، في حين كنت ستجد أن من يعمل داخل سورية ومع جميع الجهات هم مجموعة المواطنين الصحفيين الذين طوروا أدواتهم مع الوقت ليتمكنوا من العمل مع معظم هذه الوسائل؛ مغازلين سياساتها التحريرية تارةً، مقاطعين بعضها لأنها لا تتلاءم مع واقع الحال على الأرض والذي يحكمه نوع الفصيل العسكري الذي يدير المكان اليوم تارةً أخرى، في حين لم يتمكن أيّ جسمٍ سياسي معارض، أو أية جهةٍ كان توصيفها ما كان من جمع هذه الفوضى في سلّةٍ واحدة، أو الخروج بصحيفةٍ يوميّةٍ واحدة!.
 
كثير من الصحفيين الذين استقروا في مدينة غازي عينتاب التركية أو استمروا بالتردد عليها أو العمل مع الجهات الناشئة فيها، بذلوا جهداً لتحويل هذه الوسائل إلى مؤسسات، إذ كان يتعين على رئيس التحرير القيام بدور المدقق اللغوي لأنه لم يعد قادراً على تأمين كلفة فردٍ إضافيٍّ في الفريق، عمل معدّ البرامج الإذاعيّة كمخرجٍ للصوت لأن الوسيلة لم تعد قادرةً على تغطية كلفة موظفيها، في حين غضّت الحكومة التركية الطرف عن موضوع التراخيص القانونية إلا ما ندر، وشهدَت تدفق الدولار القادم باسم التمويل، ولم تعترض وهي تراه يُصرف في أسواقها، وبين هذه الوجوه بدأت الأهداف تغيب، فصرنا نراقب بأسفٍ كوادر إعلامية تذوي، وأخرى تتحول إلى لسانٍ لبعض الجهات المتطرفة؛ بحجة الحفاظ على السلامة أو تغيّرٍ ما في المشهد المحيط بها، والصمت كان سيد الموقف، وما زال.
 
الحدود ليست إلا وهماً
منتصف العام 2015، أصبح من النادر أن تسمع بمطبوعةٍ تمكنت من توزيع أعدادها داخل سورية، فيما كان من الطبيعي أن تسمع في كلِّ يوم بأن مطبوعةً ما تم إحراقها، أو تم اعتقال أعضاءٍ من فريقها أو موزعيها، وأنّ سياسة التحرير هي الأمر الذي يحتاج إلى عالمٍ في الكيمياء المناطقيّة العسكرية ليتمكن من رسمها بما لا يتعارض مع رؤيتها الأساسية، ولا يستفزّ الحكّام الجدد على خرائط التوزيع، ولا يعرّض الفدائي الذي يقوم بتوزيعها للخطر في آنٍ معاً، لتظهر مجدداً الأسماء الوهمية للإعلاميين والناشطين كحاجةٍ حقيقيةٍ تكفلها أسبابٌ كثيرة.
 
منتصف العام 2015، لم تكن التهديدات التي تلقاها ناجي الجرف كافيةً لحثّه على الخروج سريعاً من غازي عينتاب، ولم يكن سببها في ذلك الوقت فيلم "داعش في حلب" إذ لم يكن قد عُرض بعد، ولا إشرافه على حملة "الرقة تذبح بصمت" وإخراجه لفيلم "الرقة في ظل داعش"، أو تدريبه لمئات المواطنين الصحفيين،.
 
ولم تكن رئاسته لتحرير مجلة "حنطة" التي كافحت للبقاء دون تمويل لوقتٍ طويل هي السبب، ولو اجتمعت هذه العناصر كلها لفهم مشهد الاغتيال، كان سينقصها أن نقول أنّه ككثير من الصحفيين لم يترك لألاعيب السياسة أن تغيّبه، ولم ينسَ هويته وأسبابه الأولى، ولم يفقد احترامه لهذه المهنة، وحافظ على صوته مرتفعاً وعلى قلمه نظيفاً، لكنه أخطأ حين نسي السؤال الأول؛ "من هو عدوّ كلمتي الحرّة على هذه الأرض الغريبة؟"، و"هل هذه الحدود بين سورية وتركيا حقيقيةٌ إلى الدرجة التي تمكنني كصحفيّ من الدخول إلى سورية، أو منع من يخشى جوهر مهنتي من الوصول إلي؟". 
 
اليوم في مدينة غازي عينتاب خاصّةً وفي غيرها من المدن التركية الحدودية عموماً، وبعد تكرار الاغتيالات ومحاولات الاغتيال لإعلاميين جاهروا بعدائهم لثقافة الموت، أصبح من المألوف أن ترى سوريّاً يتلفت خلفه وهو يسير في وضح النهار، فالحدود ليست إلا وهم.
 
يقول ناجي الجرف: "إن كان لي أن أفخر بشيءٍ فعلته فهو أنني استطعت استبدال السلاح في يد بعض الشبان بالكاميرا.. وسيلةً تليق بالحياة".
 
 
 
*بشرى قشمر، أرملة الصحفي ناجي الجرف

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2017

Designed and developed by Media Plus Jordan