محمد القيق والصمود في وجه السجان

محمد القيق والصمود في وجه السجان

القيق يروي قصة اعتقاله برسالة لزملائه الصحفيين "أنتم من تصنعون التغيير.. إن أقلامكم وكاميراتكم هي الحقيقة بعينها التي لا يملكها إلّا أنتم.. ومن خلال جهدكم وتضحياتكم تنقذون أرواحا بريئة، وتصنعون تحولات وتغييرًا نحو التحرير والاستقلال.
article image
 
هرمت الكلمات وجفت الأقلام ونفدت الدموع، وبقي الوجع يعتلي عرش الحكاية، حكاية أسرى فلسطين أصحاب الأقلام الحرة، ما أصعب أن يجمع الكاتب من الغبار المتناثر في الأجواء خيوط الحكاية، حكاية أسرى سُلطت علي رقابهم السيوف.
 
ذنبه الوحيد توثيق جرائم شعب سرقت أرضه وقُتل أطفاله وشيوخه ونسائه وخُطفت مُقدساته، الصحفي محمد القيق 33عاما، يحاول أنا يبتلع آلة الزمن ليرجع بذاكرته إلى الوراء قليلا، فيكتب ماغيبته سجون الاحتلال الإسرائيلي. 
 
يقول القيق لمركز الدوحة لحرية الإعلام: في الساعة الثانية من فجر 21 نوفمبر 2015، وأنا على سريري انتظر آذان الفجر، وأداعب أبنائي، إسلام 3 سنوات ولور سنة واحدة، اقتحم منزلي في بلدة بير زيت شمال رام الله، عشرات الجنود مدججين بالأسلحة والأجهزة اللاسلكية، التي تصدر زعيقا متواصلا، أشبه ما يكون بهرير نمرة جريحة، اقتحموا المنزل بعد تفجير الباب، وتحطيم الزجاج والتفتيش، ومصادرة هاتفي النقال وهاتف زوجتي وحاسوبي الخاص بعملي مراسلا لقناة "المجد" الفضائية.
 
اقتادوني معصوب العينين ومقيد اليدين إلى مستوطنة "بيت إيل لأمكث 18 ساعة في العراء، ثم إلى مركز تحقيق المسكوبية، وبعد يوم تم نقلي إلى مركز تحقيق الجلمة، ومكثت في زنزانة انفرادية ضيقة، حيث استبدت العتمة بالمكان، لا أدري كيف يمكن أن استعيد تلك اللحظة الفارقة في حياتي، كان الظلام سيد الموقف، كل ما يخطر في ذهني هو لماذا أنا موجود هنا؟
 
لم أدرك حينها أن الصحافة أصبحت تهمة، تُعَرض صاحبها لتحقيق قاس وتعذيب جسدي ونفسي، والتكبيل على كرسي صغير معصوب العينين خلال الخروج والدخول إلى الزنزانة، لم أعرف أن أصحاب مهنة الأقلام الحرة يحرمون من النوم، ويهددون إن لم يعترفوا بتهمة "التحريض"، لقد هددوني بأن يتم اغتصابي وحرماني من أطفالي وعائلتي، وتحويلي للاعتقال الإداري مدة ثلاثة أعوام متتالية.
 
 
الثورة على الظلم
خلال مكوثي في مركز التحقيق سمعت أحد المحققين يشتم اسيرة وطفلا، ومنذ تلك اللحظة قررت أن أثور على هذا الظلم المتبع بحق الفلسطينيين، وأن أصل إلى حريتي التي أستحق، ولأن التهمة التي وجهوها لي غير منطقية وتمس عملي الصحفي ومستقبلي المهني، لم أجد سلاحا سوى الإضراب عن الطعام كي أعترض على كل هذا الجرم الممارس بحق الصحفيين والفلسطينيين.
 
خضت إضرابي بإيمان كبير وتصميم على تحقيق النصر، كان شعاره "الانتصار أو الشهادة"، وبعد 79 يوما أدركت أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن القضية باتت قضية الجماهير.. فلا مجال للتراجع، وباتت الشهادة بالنسبة لي قاب قوسين أو أدنى.
 
في إحدى جلسات التحقيق أخبرت المحقق أنني مضرب عن الطعام فضحك واستهزأ بي، وظن أنني لن أستمر في الإضراب، ورغم أن الظروف من حولي كانت قاسية لخوض هذه التجربة، إلا أنني أصررت على إكمال الطريق إلى النهاية، كان المحققون يحاولون صدي عن الإضراب باستخدام القوة أحيانا أو التهديد، أو باستخدام أسلوب التعاطف الكاذب في أحيان أخرى، ولكنني لم أستسلم أمام كل ذلك.
 
زنازين الذُل
بقيت مضربا عن الطعام في زنازين "الجلمة" تسعة أيام دون أن يُطلع المحققون الجهات القانونية والقضاة على هذا الأمر المخالف للقوانين لديهم، حتى عُرضت على محكمة داخلية أخبرت القاضي أني مضرب عن الطعام منذ تسعة أيام رفضا لاعتقالي وتوجيه تهمة ملفقة لي، وفي هذا الوقت كنت ممنوعا من رؤية المحامين الذين تواجدوا في غرفة أخرى، ريثما تنتهي محاكمتي، ولكن عن طريق الصدفة سمع أحد المحامين المترجم وهو يسأل عن عدد أيام إضرابي، فتمكن المحامي من إخراج الخبر إلى وسائل الإعلام.
 
في اليوم الثامن والثلاثين للإضراب تم نقلي إلى مستشفى العفولة الإسرائيلي، وتقييدي في السرير ومحاولة إجباري على أخذ المكملات الغذائية، وإغرائي بتناول مختلف أنواع الأطعمة، ولكني لم أضعف وتسلحت بالدعاء.
 
خلال الشهر الثاني للإضراب فقدت وعيي كاملاً، وحاول الأطباء إجباري على أخذ المدعمات، وحين رفضت قاموا بتقييدي من أطرافي في السرير ووضع المدعمات بالقوة في الوريد عبر ما يسمى بـ"العلاج القسري".
 
في الرابع من شباط وبعد تدهور كبير طرأ على حالتي الصحية؛ قررت محكمة الاحتلال تجميد الاعتقال الإداري بحقي، وهو الأمر الذي رفضته كليا لأنني أريد إنهاء الاعتقال وليس تجميده، في محاولة للالتفاف على إضرابي وكسره ومعاودة اعتقالي بعد تحسن حالتي الصحية، فأعلنت أنني مستمر بالإضراب تحت شعار "حرا أو شهيدا". 
 
تمكنت زوجتي الصحفية فيحاء شلش (29 عاما)، وهي مراسلة في إذاعة "صوت الأقصى" بخطابها الإعلامي، من إدارة المعركة الإعلامية خلال إضرابي على مدار 98 يومًا، من جمع أكبر وأوسع قدر من التضامن وهو ما شكل عامل ضغط على الاحتلال. 
 
 
معانقة الحرية 
في الأيام الأخيرة للإضراب عرض الاحتلال اتفاقا يقضي بالإفراج عني في الحادي والعشرين من شهر آيار أي بعد مرور ستة أشهر على اعتقالي، والسماح لأهلي بزيارتي، وأن أكمل فترة علاجي قبل أن يتم نقلي لسجن نفحة حتى موعد الإفراج، وقعت الصفقة 26 شباط من عام 2016، وأنهيت إضرابي الذي استمر لمدة 94 يوما، وكانت حالتي الصحية صعبة تم نقلي فورا إلى العناية المكثفة.
 
لحظات الشموخ والانتصار حيث يدق القلب المنهك فرحا برؤية الأحباب، كانت مقابلة والدي وزوجتي وأبنائي في مستشفى العفولة بعد أن فقدوا الأمل في رؤيتي حيا إحدى تلك اللحظات.
كان اللقاء بعد خمسة أيام تقريبا من إنهاء إضرابي عن الطعام، في الغرفة رقم (362) في مستشفى العفولة، غرفة التحولات والدموع والأحزان والانتصار، حيث هددني ضباط الشاباك بعدم رؤية زوجتي وأطفالي طيلة ثلاث سنوات، وقاموا بعزلي في سجن انفرادي، ولكن على أعتاب غرفة الصمود المذكورة تحطم كبرياء وتهديد الشاباك. لقد شعرت أنني ولدت من جديد حين رأيت أطفالي، ولكنهم لم يتعرفوا علي بسبب تغير شكلي ونحولة جسدي. 
 
في التاسع عشر من مايو/آيار تم الإفراج عني بطرق التفافية حتى يقتلوا فرحة الانتصار وحتى لا أجد أحدا في استقبالي، ولكنهم لم ينجحوا في قتل فرحتي وتنغيص هذه اللحظات التي عشتها واقعا وما زلت، فقد وجدت آلاف الناس في انتظاري حين وصلت إلى مسقط رأسي في دورا،  جاؤوا من مختلف أنحاء فلسطين ليحتفلوا بإطلاق سراحي في مهرجان انتصار الإرادة. 
 
وأنهى القيق قصة اعتقاله برسالة لزملائه الصحفيين " أنتم من تصنعون التغيير.. إن أقلامكم وكاميراتكم هي الحقيقة بعينها التي لا يملكها إلّا أنتم.. ومن خلال جهدكم وتضحياتكم تنقذون أرواحا بريئة، وتصنعون تحولات وتغييرًا نحو التحرير والاستقلال."
 
 
 
*غزة :علا الزعنون

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2013

Designed and developed by Media Plus Jordan