الصحفي عدي حاتم.. يشخص واقع حرية الصحافة في العراق

الصحفي عدي حاتم.. يشخص واقع حرية الصحافة في العراق

الصحفي عدي حاتم، يروي لمركز الدوحة معاناته داخل العراق، والاضطهاد الذي تعرض له بسبب عمله الصحفي.
article image

 

أشعر بالخجل الشديد والإحراج الكبير الذي يعتريني وانا أكتب عن التهديدات ومحاولات الاغتيال التي تعرضت لها في بلد مثل العراق، غالبية شعبه مهدد ويواجه الموت يوميا، وحفلات الدم المجانية التي يذهب ضحيتها مئات العراقيين، والتي لم تعد تحرك ضمير العالم، وباتت خبرا ثانويا في وسائل الإعلام.

تعرضت بين 2003 و2010 للعديد من التهديدات ومحاولات الاغتيال، ففي أواخر عام 2005 تم تهجيري من منزلي في جنوب بغداد، وبعد أقل من عام تم حرق ونسف بيتي المستأجر في شرقها، لا لسبب سوى أني انتقدت مليشيات كانت تفرض سيطرتها وأسلوبها في الحياة على بغداد، وتنشر الموت والرعب على أغلب أحيائها، واضطررت إلى تغيير عنواني أكثر من مرة، وأجزم أني جربت السكن في معظم مناطق وأحياء بغداد.

المالكي وإعلام السلطة

بعد عام 2010 ومع بداية الولاية الثانية لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، لم نواجه كصحفيين الجماعات المسلحة والمليشيات فقط، بل السياسة الممنهجة للحكومة في السيطرة على وسائل الإعلام، وتقييد عمل وحركة الصحفيين وإخضاعهم لأوامر السلطة. 

استخدم المالكي كل أساليب ترهيب الصحفيين ومطاردتهم من خلال الأجهزة الرسمية للدولة، ومن خلال الميلشيات التي كان يستخدمها في الاغتيالات المنظمة للصحفيين، وفي عمليات اختطافهم وابتزازهم حتى يبعد الشبهة عن نفسه، ويحمل المسؤولية لجماعات خارج عن سيطرة الحكومة.

وكمؤسس ورئيس لمنظمة مهمتها الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير تدعى "جمعية الدفاع عن حرية الصحافة"، فقد دنت هذه الأساليب، وتكلمت عنها بصرحة ووضوح، لاسيما وأن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل مارس المالكي وحكومته الصمت إزاء عمليات القتل والاغتيالات التي طالت الصحفيين خلال فترتي حكمه الممتدة بين أعوام 2006 و 2014، ما شجع المليشيات والأحزاب على ملاحقة الصحفيين وقتلهم، ليحقق العراق المرتبة الأولى في العالم في ما عرف بـ"سياسة الإفلات من العقاب"، إذ تجاوز عدد القتلى أكثر من 300 صحفي.

مهزلة القضاء في العراق

تعرضت أنا وعائلتي لمختلف أنواع التهديد ومحاولات الاغتيال، ما كان يضطرني إلى الخروج من بغداد أو من العراق لفترات متقطعة، وكانت الأمور تهدأ بعد شهر أو شهرين، لكن سعي المالكي لإحكام قبضته على الإعلام، ووقوفه هو وحزبه وأحزاب إيران الأخرى في العراق بكل ثقلهم خلف تشريع مايسمى بـ"قانون حقوق الصحفيين"، الذي شرعن له إعادة العمل بجميع القوانين الموروثة السابقة التي لا تسمح سوى بتمجيد نظام الحكم والحزب الحاكم، وتتراوح العقوبات فيها بين السجن والإعدام، هو ما جعل المواجهة تأخذ أبعادا أكثر خطورة.

لقد واجهت هذا القانون منذ وصوله إلى البرلمان من حكومة المالكي الأولى كمقترح قانون، وحتى تشريعه في آب/أغسطس من عام 2011 خلال ولاية المالكي الثانية، وبعد تشريعه قدمت طعنا ضده في المحكمة الاتحادية العليا (الدستورية ) في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2011 بصفتي الرسمية كرئيس لـ"جمعية الدفاع عن حرية الصحافة"، وردتها المحكمة الاتحادية لأسباب شكلية، ما اضطرني إلى إعادة رفع الدعوى مع مجموعة من الزملاء بأسمائنا الشخصية كصحفيين، ومستندين على دعم المئات من الزملاء الآخرين، لكن المحكمة الاتحادية ردتها أيضا في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2012 على الرغم من أن القانون يخالف مخالفة صريحة أربع مواد دستورية هي المواد (13، 14،38،46).

طرقت باب القضاء ليس لجهلٍ بوضعه، وبما قام به المالكي وأحزاب السلطة من تحويله إلى أداة لإصدار أحكام البراءة وشهادات حسن السلوك والنزاهة لجميع الفاسدين والمجرمين من محازبيها، كما حولته إلى سيف مسلّط على رقاب معارضيها، ومن يحاول أن يكشف فسادها أو يختلف معها، من خلال السرعة في تلفيق القضايا وإصدار أحكام الإدانة لإيهام العالم بأنها تحتكم في خصوماتها إلى القضاء وتحترم قراراته، بينما القضاء ليس إلا إحدى أذرع المالكي التي يبطش بها بخصومه.

وكان هدفي من اللجوء إلى القضاء هو استنفاد الجهد الوطني لأتمكن بعدها من اللجوء إلى المحاكم الدولية، وهذا ماصرحت به لوسائل الإعلام العراقية والدولية فور استلامي قرار المحكمة الاتحادية، ما فتح باب جهنم علي، والتي لم تغلق حتى بعد مغادرتي للعراق.

الموت أو الهجرة

ساءت الأوضاع أكثر لاسيما بعد مشاركتي في مؤتمر (Bmena) الذي عقد في تونس كانون الأول/ديسمبر عام 2012، إذ قدمت ورقة متكاملة عن تراجع حرية الصحافة وحرية التعبير عموما في العراق، ومحاولة الحكومة مصادرة هذه الحريات والانتهاكات التي ارتكبتها ضد الصحفيين ووسائل الإعلام، وكان المؤتمر مشتركا بين منظمات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وحكومات هذه الدول بالإضافة إلى حكومات مجموعة الثماني.

وفور عودتي إلى العراق، تعرضت إلى محاولة اغتيال وأنا في طريقي من مطار بغداد إلى منزلي، وبعدها بيومين كانت هناك محاولة لزرع عبوة ناسفة في سيارتي، ما اضطرني لعدم قيادة أي سيارة بعدها.

وفي شباط/فبراير من عام 2013 تم خطف ابنتي روان وهي خارجة من المدرسة، وبعد يومين من خطفها تلقيت اتصالا من الخاطفين يطالبني بترك عملي الصحفي، وترك الجمعية، وإلا سيتم قتلها وقتلي، فوعدتهم أني سأفعل إذا أعادوها سالمة.

وبعد ثمانية أيام أعادوا لي ابنتي حيث تركوها على مقربة من المنزل، وحماية لأسرتي نقلتهم إلى منزل صديق مسيحي في بغداد، وكان هذا الصديق يسكن في مربع أمني لكنيسة محمية بحراس من رعاياها.

وبعد شهر حاولت وزوجتي أن نجرب الرجوع إلى بيتنا الكائن في أطراف بغداد، فذهبنا تحت حماية أشقاء زوجتي وبعض أصدقائي لجلب بعض الأغراض، منها جوازات السفر والأوراق الثبوتية الأخرى، لكن بعد نحو ساعتين من وصولنا تم الهجوم على منزلي، ولولا تدخل الجيران ومقاومة أشقاء زوجتي وأصدقائي الذين كانوا معنا في المنزل لقتلنا.

بعدها تلقيت اتصالا من زعيم إحدى المليشيات، أبلغني فيه أن مرجعا إيرانيا قد أصدر "فتوى ولائية" بقتلي، مبينا أن جميع ما أسماها "حركات المقاومة" تطاردني وتسعى إلى تصفيتي، متوعدا أن يكون هذا "الشرف" من نصيبه هو ومليشياته، لأني تجاوزت كثيرا على "مقام الولي الفقيه".

التهجير من الوطن

بعد ذلك نصحتني منظمات دولية بمغادرة العراق، وتدبرت لنا أنا وأسرتي تأشيرات إلى تونس، وفعلا غادرنا العراق إلى تونس في آيار/مايو عام 2013، وبقينا هناك لأكثر من ثلاثة أشهر، واضطررنا للعودة بعد انقضاء فترة التأشيرة، وهذه المرة أسكنت عائلتي عند بعض معارف والدي في قرية نائية، ولم أرسل طفلتي روان وبنان إلى المدرسة خوفا عليهما من الخطف، كما لم أسكن مع عائلتي مفضلا سلامتهم، وبقيت متنقلا بين أماكن عديدة، ولا أستقر في مكان واحد خشية أن تصلني تلك الجماعات الإجرامية.

لكن جميع تلك الاحتياطات لم تنفع، إذ عرفت المليشيات عنوان أسرتي، وهاجمت المنزل والقرية التي كانوا يسكنوها، وأبلغوا زوجتي أن عليها تطليقي لأني (كافر) حسب زعمهم، ولايجوز لها البقاء على ذمتي، وهددوها إن هي لم تنفذ أوامرهم، فسيكون مصيرها من مصيري، لذلك لم يكن أمامي خيار سوى الخروج من العراق أو المجازفة بحياتي وحياة أسرتي.

حصلت بمساعدة أحد الأصدقاء على تأشيرة إلى فرنسا، ووصلتها مع أسرتي في مايو/آيار 2014، فخرجت من العراق حتى دون التمكن من وداع والدتي العجوز أو زيارة قبر أبي الذي سقاني حب هذا الوطن، حتى بت جسدا بلا روح منذ أن خرجت منه.

حاليا، أسعى إلى استثمار وجودي في أوروبا في اللجوء إلى المحاكم الدولية، لأني أجد أن من واجبي تجاه وطني أولا، وزملائي ثانيا، أن أعمل كل ما بوسعي لجلب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى العدالة الدولية.

 

*هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه فقط ولا يعبر عن وجهة نظر مركز الدوحة لحرية الإعلام

 

All rights reserved, Doha Centre for Media Freedom 2017

Designed and developed by Media Plus Jordan